الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

269

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يكن معمولا به ، لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم ، بل فيه إيحاشهم فالمشاورة لم تفد شيئا فهذا تأويل ساقط . وقال النووي ، في صدر كتاب الصلاة من « شرح مسلم » : الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار . وقال الفخر : ظاهر الأمر أنّه للوجوب . ولم ينسب العلماء للحنفية قولا في هذا الأمر إلا أنّ الجصّاص قال في كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ : هذا يدلّ على جلالة وقع المشورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصّلاة ويدلّ على أنّنا مأمورون بها . ومجموع كلامي الجصّاص يدلّ أن مذهب أبي حنيفة وجوبها . ومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنّبيء صلى اللّه عليه وسلّم قاله الحسن وسفيان ، قالا : وإنّما أمر بها ليقتدى به غيره وتشيع في أمّته وذلك فيما لا وحي فيه . وقد استشار النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم أصحابه في الخروج لبدر ، وفي الخروج إلى أحد ، وفي شأن الأسرى يوم بدر ، واستشار عموم الجيش في ردّ سبي هوازن . والظاهر أنّها لا تكون في الأحكام الشرعية لأنّ الأحكام إن كانت بوحي فظاهر ، وإن كانت اجتهادية ، بناء على جواز الاجتهاد للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم في الأمور الشرعية ، فالاجتهاد إنّما يستند للأدلّة لا للآراء وإذا كان المجتهد من أمّته لا يستشير في اجتهاده ، فكيف تجب الاستشارة على النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم مع أنّه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطأ عليه فإنّه لا يقرّ على خطأ باتّفاق العلماء . ولم يزل من سنّة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في مصالح المسلمين ، قال البخاري في كتاب الاعتصام من « صحيحه » : « وكانت الأئمة بعد النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم يستشيرون الأمناء من أهل العلم ، وكان القرّاء أصحاب مشورة عمر : كهولا كانوا أو شبّانا ، وكان وقّافا عند كتاب اللّه » . وأخرج الخطيب عن عليّ قال : « قلت : يا رسول اللّه الأمر ينزل بعدك لم ينزل فيه قرآن ولم يسمع منك فيه شيء - قال : اجمعوا له العابد من أمّتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد » واستشار أبو بكر في قتال أهل الردّة ، وتشاور الصّحابة في أمر الخليفة بعد وفاة النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، وجعل عمر - رضي اللّه عنه - الأمر شورى بعده في ستّة عيّنهم ، وجعل مراقبة الشورى لخمسين من الأنصار ، وكان عمر يكتب لعمّاله يأمرهم بالتّشاور ، ويتمثّل لهم في كتابه بقول الشاعر ( لم أقف على اسمه ) : خليليّ ليس الرأي في صدر واحد * أشيرا عليّ بالّذي تريان هذا والشورى ممّا جبل للّه عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبّة الصلاح وتطلّب النجاح في المساعي ، ولذلك قرن اللّه تعالى خلق أصل البشر بالتّشاور في